القاضي عبد الجبار الهمذاني
147
المغني في أبواب التوحيد والعدل
القول بأنه تعالى يجب أن يكون مريدا للقبيح من حيث علم أنه يقع وأن العبد يختاره لا محالة ؛ وننكر ما يتعلقون به في مسألة المجاهدة ، لأنهم عوّلوا على أن ما أراده تعالى إذا كان لا يقع إلا عند أمر آخر فيجب أن يكون مريدا للأول « 1 » . وقد علمنا أن أحدنا قد يريد ممن يزنى الاغتسال ولا يجب أن يريد ما وجب لأجله ، ويريد من الغاصب الردّ وإن لم يرد منه الغصب ، ويريد الاعتذار من المسىء وإن لم يرد منه الإساءة ، ويريد الظفر بالعدوّ القوى وإن لم يرد مقاتلته . وإنما أوجبنا فيمن يريد فعلا لا يصلح / إلا لغرض واحد أنه يجب أن يريد منه ذلك الغرض ، كما يجب متى أمر ورغب أن يريد الفعل . فكيف يتجه علينا كلام القوم ؟ وقد استدل شيخنا أبو علي رحمه اللّه في ذلك بأن قال : لو كان ما يختار المكلف عنده الكفر لا يقبح من القديم تعالى لوجب - متى علم أنه إن أمرض زيدا اليوم الأول كفر ، وإن عافاه اليوم الثاني آمن ، وإن أمرضه اليوم الثالث كفر ، ثم هكذا أبدا - أن يجوز أن يجرى تدبيره في هكذا المكلف على أن يمرضه في كل يوم يختار عنده الكفر ، ولا يعاقبه في كل يوم يختار عنده الإيمان ، ويكون مستصلحا له غير مستفسد . ولو صح ذلك لوجب في الوالد الّذي أراد من ولده التعلم وعلم أنه مع الرفق يتعلم ومع العنف يفسد على الأيام ، أن يجوز أن يجرى تدبيره على أن يفعل به العنف دائما ويجتلب « 2 » به الرفق أبدا ولا يكون مستفسدا له ، وكذلك القول في الطبيب المداوى أنه إذا داواه بما عنده يزداد به المرض وترك أن يداويه
--> ( 1 ) الخلاصة : أن المجبرة تقول إن اللّه تعالى يريد الفعل القبيح من العبد إذا علم أنه يختاره لا محالة ، ويرد عليهم المعتزلة بأن هذا غير واجب ؛ إذ لا توجد علاقة علية بعد فعلين أردنا أحدهما وعلمنا أن الآخر متصل به اتصالا عليا . فنحن نريد من الزاني الاغتسال ولا نريد الزنا ، ونريد من القاتل القصاص ولا نريد القتل ، ونريد من الغاصب ردّ ما اغتصبه ولا نريد الاغتصاب ، وهكذا . ( 2 ) هكذا في الأصل ولعلها ولا يجتلب .